تقدير موقف "صفقة القرن" بين التأجيل الرسمي والتنفيذ الفعلي - شبكة الاخبار الفلسطينية
آخر الأخبار :

تقدير موقف "صفقة القرن" بين التأجيل الرسمي والتنفيذ الفعلي

مقدمة
تُظهِر التطورات السياسية أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تنجح حتى الآن في تهيئة المناخات للإعلان رسميًا عن "صفقة القرن"، رغم مرور أسابيع عدة على جولة جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي، وجيسون غرينبلات، المبعوث الخاص للمفاوضات، في حزيران 2018، التي شملت عددًا من الدول العربية وإسرائيل. بل عاد الحديث عن تأجيل جديد لطرح الخطة الأميركية، ولكن لصالح مقاربة السعي لتمريرها على مراحل في ضوء فشل مساعي استئناف المفاوضات بسبب الرفض الفلسطيني للخطة.
جاء الرد الفلسطيني على التحركات الأميركية على لسان نبيل أبو ردينة، الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، إذ قال: "إن الجولات الأميركية المتعددة للمنطقة واستمرار البحث عن أفكار أو الإعداد لصفقة أو خطة، متجاوزة القيادة الفلسطينية وموقفها الثابت من القدس وإقامة الدولة الفلسطينية وقضية اللاجئين، لن تؤدي سوى إلى طريق مسدود".[1]
أظهر كوشنر في مقابلة له مع جريدة القدس نشرت بتاريخ 24/6/2018، استعداده لاستئناف الحديث مع الرئيس محمود عباس، إذا كان مستعدًا لذلك، مشيرًا إلى أنّ القادة العرب الذين التقاهم "أوضحوا بأنهم يريدون رؤية دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية ... ويريدون أن يروا صفقة تحترم كرامة الفلسطينيين".[2]
لم تطرح الإدارة الأميركية رسميًا خطتها "صفقة القرن"، بالرغم من الإعلان عن نيتها طرحها أكثر من مرة. واستمرت قراراتها وتوجهاتها بشأن القدس، واللاجئين، والمستوطنات، التي تشير إلى انتقالها إلى موقع الشريك لإسرائيل في سعيها لتصفية القضية الفلسطينية. وهذا يثير تساؤلات حول التوجه الأميركي للتسوية المعنون بـ "الصفقة"، ومدى اقترابه من التصور الإسرائيلي للحل، وأهداف جولات كوشنر -غرينبلات، ونتائجها؟

ترامب .. تصريحات متناقضة
أبدى ترامب مواقف متطرفة تجاه القضية الفلسطينية أثناء حملته الانتخابية، من دعم وتأييد للاستيطان في الضفة الغربية، والتأكيد على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومحاربة الإرهاب والتطرف، ومطالبة الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"؛ جاء ذلك في كلمته الانتخابية التي ألقاها أمام اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة AIPAC في آذار 2016.[3]
وأكد ترامب في أول لقاء جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد وصوله إلى سدة الحكم في شباط 2017، أن "حل الدولتين" ليس السبيل الوحيد لتحقيق السلام، مخالفًا بذلك الموقف التقليدي للولايات المتحدة المؤيد لـ"حل الدولتين".[4] وعلى النقيض تمامًا، أعلن ترامب في لقائه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في واشنطن في نيسان 2017، نيته التوصل إلى تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وأطلق على تلك التسوية "صفقة القرن".[5]
اجتمع ترامب مع عباس في البيت الأبيض في أيار 2017، وتعهد خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعهما بالتوصل إلى اتفاق دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ومن جهته أكد عباس تمسكه بحل الدولتين، وعبر عن أمله في "تحقيق معاهدة سلام تاريخية" في عهد ترامب، وخاطبه قائلًا: "لديكم الإرادة والرغبة لتحقيق هذا النجاح".[6]

"صفقة القرن" تبني الرؤية الإسرائيلية للحل
أبدى البعض تفاؤلًا حول إعلان ترامب نيته التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، إلا أن القرارات اللاحقة للإدارة الأميركية أظهرت أن الحديث لا يدور عن تسوية سياسية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة، بل عن مسعى أميركي لحسم القضايا العالقة في المفاوضات "قضايا الحل النهائي" لصالح المشروع الإسرائيلي، تمهيدًا لتمرير "الحل الإقليمي" وتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية، واتضح ذلك من خلال:

أولًا: استبعاد ملف القدس من طاولة المفاوضات
اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل بتاريخ 6/12/2017، ونقلت السفارة الأميركية إلى القدس بتاريخ 14/5/2018، ما فتح الباب أمام دول أخرى للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وأفشلت الإدارة الأميركية التحرك الفلسطيني من أجل استصدار قرار في مجلس الأمن لمنع تغيير الوضع القانوني في القدس، إذ استخدمت حق النقض "الفيتو" ضد إدانة قرار ترامب بتاريخ 17/12/2017.[7]
يشير ذلك إلى أن تبني الإدارة الأميركية للموقف الإسرائيلي، باستبعاد ملف القدس نهائيًا من جدول المفاوضات، باعتبارها "العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل"، وليست موضوعًا للتفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ضمن ما يعرف بقضايا "الوضع النهائي"، بحسب مرجعية اتفاق أوسلو 1993.

ثانيًا: تصفية قضية اللاجئين
أقدمت الإدارة الأميركية على خطوات فعليه لإزاحة قضية اللاجئين، أحد أكثر المواضيع صعوبة في قضايا الحل النهائي، ورفعت مذكرة إلى رئاسة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بتاريخ 16/1/2018، تعلمها بأنها ستعلّق ما مقداره 65 مليون دولار من دعمها للوكالة.[8]
في ذات السياق، كشفت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية مساعي كوشنر للتخلص من الأونروا، وذلك في إطار حملة أوسع نطاقًا تقودها إدارة ترامب والكونغرس الأميركي بهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإخراج قضية عودتهم إلى وطنهم من المفاوضات. وذكرت المجلة بأن ذلك المسعى يظهر نية إدارة ترامب إعادة صياغة شروط قضية اللاجئين لصالح إسرائيل، على غرار ما فعلت في كانون الأول 2017، عندما اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.[9]

ثالثًا: إضعاف السلطة الوطنية
لوحت الإدارة الأميركية في تشرين الثاني 2017 بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية لديها. وبعد وساطات عربية، أعلنت الخارجية الأميركية إبقاء المكتب مفتوحاً، بشروط أوضحها إدغار فازكيز، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، بقوله: "القانون ينص على أنه إذا رأى الرئيس بعد تسعين يومًا أن الفلسطينيين ملتزمون بمفاوضات مباشرة وذات معنى مع إسرائيل، فيمكن رفع القيود عن المنظمة ومكتبها في واشنطن".[10]
تلا ذلك وقف إدارة ترامب مساعداتها المالية للسلطة الفلسطينية في حزيران 2018. وجاءت الإجراءات الجديدة وفقًا لـقانون "تايلور فورس" الذي مرره الكونغرس الأميركي، والقاضي بوقف كافة المساعدات للسلطة مالم توقف الرواتب التي تدفع لأسر الشهداء والأسرى.[11]
لعل الهدف الأبرز من محاصرة السلطة سياسيًا وقطع المساعدات عنها هو إضعافها وإرغامها على التجاوب مع السياسيات الأميركية الجديدة، وقبول "الصفقة".

رابعًا: تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية
استغلت إسرائيل الأوضاع العربية لتسويق فكرة التعاون مع الدول العربية لمحاربة الإرهاب، والترويج لسلام إقليمي، إذ طلب نتنياهو من ترامب في أول اجتماع لهما في واشنطن، المساعدة في رفع مستوى التعاون مع الدول العربية، وصرح بأنه "يمكن دحر المعسكر المعادي لنا، وعلينا انتهاز الفرصة، فالدول العربية المعتدلة لا ترى في إسرائيل عدوًا لأول مرة".
تسعى الولايات المتحدة لتمرير "حل إقليمي"، يقوم على تطبيع العلاقات العربية -الإسرائيلية، وإقامة تحالف بينهما في مواجهة "الخطر الإيراني". واتضح ذلك جليًا في خطاب ترامب خلال القمة العربية الإسلامية الأميركية التي عقدت بالرياض في أيار 2017.[12]
تشير التسريبات حول "صفقة القرن" إلى تبني إدارة ترامب للرؤية الإسرائيلية التي تقوم على منع إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، من خلال إقامة كيان فلسطيني يكون مركزه قطاع غزة، وتلحق به المعازل الفلسطينية ذات الكثافة السكانية العالية في الضفة الغربية، دون تحديد الشكل النهائي لهذا الكيان.
يتطابق هذا التصور، من حيث المضمون، مع الأفكار التي طرحتها مراكز أبحاث إسرائيلية، تضمنت حلولًا بديلة لحل الدولتين، تقوم في جوهرها على الحل الإقليمي وتبادل للأراضي، أبرزها مشروع "غيورا آيلاند" في أيلول 2008.[13]

مرامي جولة كوشنر - غرينبلات
استهدفت جولة كوشنر - غرينبلات في المنطقة في حزيران 2018، التي شملت الرياض، وعمان، والقاهرة، والدوحة، إلى جانب لقاء كوشنر وفريقه بنتنياهو بحضور ديفيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل؛ تهيئة المناخات لطرح "صفقة القرن"، و"بناء توافق في الآراء حول ما يمكننا واقعيًا تحقيقه".[14]
في ذات السياق، أعلن البيت البيض في بيانه أن المباحثات تناولت سبل تقديم مساعدات للفلسطينيين في غزة، وجهود إدارة ترامب لتسهيل السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين".[15]
أعلنت القيادة الفلسطينية أنها لن تجتمع بالوفد الأميركي، وكشف صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن الجولة الأميركية هدفت إلى شطب الأونروا، وإسقاط القيادة الفلسطينية، بعدما ظنت الإدارة الأميركية أنها أسقطت ملف القدس، إلى جانب ترتيب صفقة مالية لقطاع غزة، تحت ما يسمى حل الأزمة الإنسانية.[16]
تتقاطع تصريحات عريقات مع ما نشرته مجلة "فورن بوليسي" الأميركية، عن عزم كوشنر إنهاء عمل الأونروا، وفقًا لبريده الإلكتروني التي اطلعت عليه المجلة، واستبعاد قضيتهم من جدول المفاوضات، بعد تجريدهم من وضعهم القانوني كلاجئين.[17]
تشير تصريحات كوشنر التي أدلى بها لجريدة القدس، إلى فعالية موقف القيادة الفلسطينية، برفضها التعاطي مع الصفقة الأميركية، في إفشال جهود الإدارة الأميركية في تسويق خطتها للتسوية.[18]
اعتبرت الرئاسة الفلسطينية أن جولة مبعوثي الإدارة الأميركية ستؤدى إلى طريق مسدود، ما دام هناك تجاوز للسلطة الفلسطينية، ففي بيان الرئاسة الصحفي الذي ألقاه أبو ردينة قال: "نتمنى أنه بعد انتهاء جولات الوفد الأميركي للمنطقة، أن تدرك الإدارة الأميركية وتستوعب ضرورة التوقف عن السعي لبدائل سياسية وهمية".[19]
ما سبق لا يعني تبرئة الموقف العربي من المسؤولية على التجرؤ الأميركي على الحقوق الفلسطينية، فالعرب عارضوا معارضة لفظية من دون الاستعداد لمحاربتها وإسقاطها[20]، وبقي الرفض الفلسطيني العقبة الأساسية أمام تمرير الصفقة. ولعل ذلك ما يفسر هجوم كوشنر على الرئيس عباس، واتهامه بأنه يركز فقط على بقائه السياسي بدل تحسين حياة الشعب الفلسطيني، وتلويحه بنشر الخطة الأميركية علانية، في حال استمرار الموقف الفلسطيني الرافض لها.[21]
نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، عن مصادر مقربة من الإدارة الأميركية، أنها قد تؤجل طرح "صفقة القرن"، بسبب انتخابات تجديد نصف أعضاء الكونغرس في تشرين الثاني 2019، واحتمال إجراء انتخابات مبكرة في إسرائيل في بداية العام 2019، تخوفًا من تأثير الصفقة على فرص نجاح كل من الجمهوريين واليمين الإسرائيلي[22]، خاصة أن نتائج استطلاع الرأي، الذي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي وجامعة تل أبيب، ونشر في تموز 2018، أظهر أن 74٪ من الإسرائيليين يعتقدون أن "صفقة القرن" محكوم عليها بالفشل.[23]
إن فرص طرح صفقة مقارنة بالتصريحات الإعلامية، لا يعني وجود صفقة جاهزة أو طرح واضح، وإنما هناك توجه أميركي يسعى لحسم "ملفات الحل النهائي"، وبالتالي، تعقيد الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ناتج عن مخالفة قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة بين الأطراف، وليس في مضمون القرارات والاتفاقيات، حتى تقدم الإدارة الأميركية تسوية جديدة بعنوان "صفقة القرن".

خاتمة
بناء على ما سبق، يمكن القول بأن رفض القيادة الفلسطينية لـ "صفقة القرن" كان العامل الرئيس في تعطيلها، وامتناع الإدارة الأميركية الإعلان عنها وتأجيلها، بالإضافة إلى امتناع الدول العربية التعاطي العلني معها.
رغم ذلك، فإن موقف الرفض الفلسطيني لن يكون كافيًا لمواجهة "الصفقة"، التي بدأ تنفيذها فعليًا قبل الإعلان عنها، من خلال قرارات ترامب بشأن القدس، والأونروا، وقطع المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، واتجاه الإدارة الأميركية لإيجاد حلول إنسانية لمشكلات قطاع غزة، بغرض تعزيز فصله تمهيدًا لتمرير "الصفقة"، علمًا بأن كل ذلك يجري بالتناغم مع تنفيذ المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تهويد القدس وابتلاع الضفة، وتكريس فصل القطاع، بهدف تصفية الحقوق والقضية الفلسطينية.
وهذا يطرح أولوية استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، على أسس الشراكة الوطنية الكاملة، والتمسك بالحقوق الوطنية، وبلورة إستراتيجية نضالية شاملة لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها القضية الفلسطينية، وتجنيد الدعم العربي والدولي لنضال الشعب الفلسطيني من أجل إسقاط "صفقة القرن"، والتصدي للمشروع الاستعماري الصهيوني.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.net/news8892.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.