آخر الأخبار :

المواقف من القدس والقضية الفلسطينية فلسطينيا الجزء الثاني من الحلقة الرابعة


تناولت في الجزء الأول من الحلقة الرابعة الحديث عن نضالات الشعب الفلسطيني ومقاومته للمشروع الصهيوني من تاريخ فرض الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى النكبة وفي هذه الحلقة سأتناول الحديث عما جرى من أحداث وردة الفعل الفلسطينية ما بعد النكبة وحتى الاجتياح الصهيوني لبيروت عام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها المقاتلة من لبنان.. حيث يمكنني القول أن المرحلة الثانية من مسار القضية الفلسطينية قد ابتدأت بعد النكبة مباشرة فمثلما هو معروف أن الفلسطينيين رفضوا قرار تقسيم فلسطين عام 1947 كما رفضه العرب رسمياً وشعبياً ، وتعرض الفلسطينيون لمجازر صهيونية بشعة ودخلت الجيوش العربية لمنع قرار التقسيم ودعم الشعب الفلسطيني ، لكن الجيوش العربية فشلت في مواجهة عصابات صهيونية منظمة معدة جيداً لمواجهة المستجدات ، حيث كانت تملك إمكانيات تنظيمية عسكرية ولوجستية هائلة مكنتها من تحقيق أهدافها المرسومة على مختلف الجبهات والحصول على ما يفوق قرار التقسيم وتوقيع اتفاقيات رودس مع أربع دول عربية " مصر ، الأردن ، سوريا ، لبنان " التي كان من نتائجها أن حصل العدو الصهيوني على 78% من الأرض الفلسطينية بدلاً من %57.7 اعتمدها قرار التقسيم لقيام دولة الكيان الغاصب ، في ظل غياب الشعب الفلسطيني عن الأحداث الذي ظل مغيباً بعد النكبة عن مسرح الأحداث حتى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964 حيث أن قضيته أصبحت تناقش في المحافل الدولية كقضية لاجئين والسعي صهيونياً وأمريكياً خاصة وأوروبياً لمحاولة توطينهم .

وأصبح الفلسطينيون كما أسلفت لاجئون في مخيمات الشتات والأجزاء المتبقية من أرضهم فقط 22% من المساحة الكلية لفلسطين ، هذه المساحة أصبحت كيانين منفصلين ، وهما حدثان تاريخيان أفرزتهما النكبة ، الضفة الغربية التي اختارها سكانها الوحدة مع شرقي الأردن في المملكة الأردنية الهاشمية ، وقطاع غزة الذي أصبح تحت الإدارة المدنية المصرية حتى عام 1967 ، وتم منح سكان قطاع غزة وثائق سفر مصرية ذاقوا من ورائها الأمرين في التنقل بعد رحيل الزعيم المصري جمال عبدالناصر عام م1970 ، حيث غُيبت كما ذكرت القضية الفلسطينية حتى عام 1964 عن مسرح الأحداث وأصبحت تناقش في المحافل الدولية على أنها قضية لاجئين كقضية إنسانية بحتة لتوفير المأوى والغذاء والدواء لساكني تلك المخيمات والسعي الصهيوني كان منصباً لتوطينهم في دول الشتات العربي والعالمي .

لكن شعبياً أصبحت كارثة 1948 المحرك للشعور القومي العربي ومن أبرز ميزات هذا الشعور كان عدم استسلام الشارع العربي للهزيمة وظل يعبر عن رفضه لها، بطرح آمال وأهداف في مستوى حجم الكارثة.

فكان الشارع العربي يدرك أن سبب الكارثة ليس كامناً في قوة الكيان الصهيوني بل في الضعف العربي،وكان لهزيمة 1948 أثرها البالغ في الدول العربية طوال الخمسينيات؛ حيث شهدت سورية سلسلة من الانقلابات العسكرية، وحصل في مصر ثورة 23/ يوليو 1952 ، و في العراق ثورة 14/ يوليو 1958 أعقبتها عدة انقلابات كان آخرها في العام 1968م .

أما الفلسطينيون فانصبَّ نشاطهم في الانضمام إلى الحركة السياسية العربية على أمل تحقيق مرادهم في العودة وتحرير أرضهم ؛ وتنازعهم في ذلك اتجاهان ، العمل على تحرير أرضهم، والانضواء ضمن عباءة الحركة الوطنية العربية التي كانت ترى أن الطريق إلى تحرير فلسطين يمر عبر التحرر العربي من الاستعمار، وبناء أنظمة قوية قادرة على مواجهة الأخطار المحدقة في الوطن العربي.

أما عن رد الفعل الفلسطيني الأول في أعقاب نكبة 1948فانصب على مقاومة أيّ توجه لأي تقارب عربي مع الكيان الصهيوني قد يسفر عن تسوية على حساب قضاياه العادلة ومقاومة محاولات توطين اللاجئين. فتصدى لهاتَين المهمتَين عدة جماعات ، من أبرزها "هيئة مقاومة الصلح مع العدو الصهيوني"، التي كانت تصدر نشرة باسم "الثأر"، وجلُّ أنصارها كانوا في أوساط المخيمات الفلسطينية حتى عام 1954؛ كونها كانت تكشف المحاولات السرية للتسوية مع العدو الغاصب للأرض الفلسطينية.

بعد ذلك تحولت تلك الهيئة إلى حركة عربية تحت مسمى "الشباب القومي العربي"؛ ومن ثم "حركة القوميين العرب" . وأعقب ذلك استئثار اهتمام الفلسطينيين اتجاهات ثلاثة أبرزها كان انخراط البعض منهم في الأحزاب والحركات العربية، واتخاذهم منها منطلقاً لاستعادة حقوقهم في العودة وفي أرضهم.

حيث تمثل الاتجاه الأول بثلاثة تجمعات قومية كان لها تأثيرها الخاص في الساحة الفلسطينية كونها تؤمن جميعها بفكرة الوحدة العربية ، ومعاداة الاستعمار وهي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أنشئ في أوائل الأربعينيات في دمشق وانتشرت فروعه في سورية ولبنان والأردن والعراق ، وحركة القوميين العرب ، والانتماء الناصري للفلسطينيين حيث برزت قيادة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر كقيادة جماهيرية خاصة بعد تأميم قناة السويس وما أعقب ذلك من العدوان الفرنسي البريطاني الصهيوني على مصر .

والاتجاه الثاني يمثله الحزب الشيوعي الذي كان يعمل تحت لواء الجبهة الوطنية في الأردن إلا أن هذا الاتجاه قد تفكك في العام 1958 م لتعارضه مع الاتجاه القومي .

وأخيراً الاتجاه الإسلامي الذي تقاسمه كل من " جماعة الإخوان المسلمين" لمشاركته في حرب 1948م على الجبهة المصرية ، وحزب التحرير الإسلامي الذي شارك في تأسيسه منذ مطلع الخمسينيات الشيخ تقي الدين النبهاني.

وأسفرت حرب السويس عام 1956 عن مواجهات مباشرة بين الفلسطينيين في قطاع غزة وقوات الاحتلال الصهيوني ارتكب خلالها العدو الصهيوني مجازر بشعة بحقهم في القطاع ، أدرك الفلسطينيون حينها أهمية إعادة تنظيم أنفسهم وبأن الوضع يتتطلب الاعتماد على أنفسهم مستفيدين من تجربة مقاومة الاحتلال الصهيوني بصفوف موحدة، من دون النظر إلى الانتماء السياسي حيث كان لعملية الانصهارهذه في جبهة موحدة لمقاومة جيش الاحتلال الصهيوني في غزة آثارها البعيدة والإيجابية.

وفي أواخر الخمسينيات بدا للفلسطينيين فشل العمل الفلسطيني داخل الأحزاب العربية جراء عدم جدية تلك الأحزاب في العمل من أجل فلسطين كونها كانت تطرح شعارات عاجزة عن تنفيذها ، مما دفعهم للتوجه نحو إنشاء تنظيمات فلسطينية، بأسماء مختلفة كـ " حركة أو جبهة أو منظمة " وآثرت تلك التنظيمات أن تكون بعيدة عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية كونها لا تشكل نشاطاً حزبياً يناهض أيّاً من الحكومات العربية.

وما زاد الطين بلة فقدان الثقة بالوحدة العربية بعد فشل الوحدة التي تمت بين مصر وسورية عام 1958 جراء حركة الانفصال التي جرت في سوريا بتاريخ 28/ سبتمبر 1961 أطاح هذا الانفصال بفكرة: "الوحدة طريق التحرير" جراء التناقضات والخلافات بين الدول العربية حول القضية الفلسطينية، منها على سبيل المثال دعوة الرئيس العراقي الراحل عبد الكريم قاسم في ديسمبر 1959 إلى إنشاء "جمهورية فلسطين العربية"، وصف عبد الناصر تلك الدعوة حينها بأنها "مناورة دنيئة".
وشهدت المنطقة العربية في مطلع الستينيات كذلك، انتصار ثورة الجزائر واستقلالها عام 1962؛ وإعلان ثورة اليمن في سبتمبر من العام نفسه؛ وانعكس ذلك على الحياة السياسية الفلسطينية، التي شهدت بدايات حركة جديدة، من أجل إعادة تنظيم شعب فلسطين وبعث كيانه من جديد؛ وإيجاد قواعد ومؤسسات تنظيمية جديدة، فاق عددها حتى بداية الستينيات المائة تنظيم وهذا التشرذم لم يكن في صالح القضية الفلسطينية.

وفي مؤتمر القمة العربي الثاني الذي انعقد في العام 1964 م في القاهرة أعلن عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وكان أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد أسعد الشقيري.

المرحلة الثالثة : شهدت ميلاد حركة فتح في العام 1958 وانطلاق عملياتها العسكرية في العام 1965 بعد التفاف شباب من الفلسطينيين في الكويت والخليج العربي تنادوا إلى ضرورة اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم لتحرير أرضهم بعد العدوان الثلاثي على مصر واحتلال العدو الصهيوني لقطاع غزة وارتكابه لمجازر فيه حيث أصدروا مجلة فلسطيننا في العام 1959 دعت إلى إنشاء كيان فلسطيني مستقل عن الأنظمة العربية، ورفض الوصاية العربية على الشعب الفلسطيني مؤكدة إلى ضرورة تعبئة الشعب الفلسطيني حيث تفجر في الفاتح من كانون ثاني 1965 العمل العسكري المسلح من خلايا جرى تشكيلها بسرية تامة في دول الطوق العربي وظهرت تنظيمات أخرى تمثل القوميين العرب تحمل اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكذلك تنظيمات تمثل أحزاباً كالجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الشيوعي وغيرها الكثير حيث سأتناول الحديث عن الفصائل والتنظيمات الفلسطينية في حلقة لاحقة .

وقد عملت جميعها تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1964كمنظمة سياسية شبه عسكرية، معترف بها في الأمم المتحدة والجامعة العربية وكممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين حيث جاء تأسيسها بعد انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس نتيجة لقرار مؤتمر القمة العربي 1964في القاهرة لتمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية وهي الأن تضم تحت لوائها معظم الفصائل والأحزاب الفلسطينية ويعتبر رئيس اللجنة التنفيذية فيها رئيساً لفلسطين والشعب الفلسطيني في الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بالإضافة إلى فلسطينيي الشتات لكن حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي اللتين تأسستا بالنسبة للأولى في العام 1987 م والثانية عام 1981 ليستا لغاية تاريخه من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وكذا الحال بالنسبة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة التي سحبت عضويتها منها لأسباب تتعلق بخلافات حول تعارض نهج قيادة منظمة التحرير مع نهجها في الحل وفق تفسيرات قيادتها .

قيادة منظمة التحرير اعتمدت في العام 1974 تبني فكرة إنشاء دولة ديمقراطية علمانية ضمن حدود فلسطين التاريخية، في البرنامج المرحلي للمجلس الوطني الفلسطيني، والذي عارضته بعض الفصائل الفلسطينية وقتها وعبرت عن رفضها ذلك حينها بتشكيل ما يعرف بجبهة الرفض.

وحصلت مواجهات مع العدو الصهيوني بعد احتلال باقي الأراضي الفلسطينية وإضرابات أشدها كانت مواجهات يوم الأرض في العام 1976 م في الأراضي المحتلة عام 1948"في منطقة الجليل" خاصة ، آزرتها الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967 والشتات وإثر حرب اكتوبر 1973 التحريكية وما تمخض عنها من قيام الزعيم المصري الراحل أنور السادات من زيارة الكيان الصهيوني وتوقيع معاهدة كامب ديفيد والاعتراف بالكيان الصهيوني أثره البالغ في تشتت الجهد العربي ، فاستغل العدو الصهيوني ذلك باجتياح لبنان من جنوبه وحتى بيروت في العام 1982 حيث خرجت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها وقواها العسكرية من لبنان وتوجهت لدول عربية منها تونس واليمن حيث ابتعدت عن خطوط المواجهة مع العدو الصهيوني فأصبحت بعيدة عن مناطق التماس المباشر معه وارتكبت قوات العدو الصهيوني بقيادة شارون وجيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية الانعزالية المتحالفة مع العدو الصهيوني ممثلة بقوات حزب الكتائب اللبناني مجزرة في 16 و17 / 9 / 1982في مخيمي صبرا وشاتيلا ذهب ضحيتها آلافاً من الفلسطينيين ومئات من اللبنانيين انتقل العمل بعدها إلى داخل الأرض المحتلة حيث أخذت المقاومة الفلسطينية دورها في مقارعة الاحتلال داخل الأرض الفلسطينية ودبلوماسياً واستخباراتياً في الساحات الأوروبية والأمريكية وفي كل محفل دولي.

* عبدالحميد الهمشري – كاتب وباحث في الشأن الفلسطيني




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.net/news6615.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.