آخر الأخبار :

ظاهرة الفقر في قطاع غزة عوامل بنيوية تتسبب في انتشارها

تتميز ظاهرة الفقر في فلسطين بخصوصية شديدة تنبع من خصوصية القضية الفلسطينية، وما تعرض له الشعب الفلسطيني من أحداث ومآسي طوال قرن من الزمن، لاسيما الاقتلاع والتشريد والحروب والاحتلال والحرمان من الحقوق الوطنية. وقد أدى ذلك إلى إفقار دائم لفئات واسعة من الشعب الفلسطيني. فالفقر في جوهره ناتج عن تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية). ومن هذا المنطلق وقبل الخوض في دراسة ظاهرة الفقر في قطاع غزة لابد من الإشارة إلى السياق التاريخي لهذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني.
فقد تعرض الشعب الفلسطيني لعملية تهجير واقتلاع قسري عام 1948 أدت إلى تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى أقطار الدول المجاورة وفي شتى بقاع الأرض، وقيام دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية.
وقد لجأ عدد كبير من الفلسطينيين الذين هجروا من مدنهم وقراهم تحت آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية إلى قطاع غزة والضفة الغربية ليصبحوا فيما بعد لاجئين يعيشون في مخيمات، فقدوا جميع ممتلكاتهم وأراضيهم التي تشكل مصدر رزقهم، ومن هنا بدأ مسلسل الإفقار والحرمان. ولاحقا في العام 1967 استكملت قوات الاحتلال الإسرائيلي احتلال قطاع غزة والضفة الغربية، ورافق هذه الحرب أيضا مزيدا من الهجرة واللجوء.
وتبع ذلك العديد من الإجراءات الإحتلالية شملت ضم القدس العربية، ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والسيطرة على المياه، وهدم المنازل. بالإضافة إلى ذلك فقد فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من التشريعات والأوامر العسكرية مكنتها من السيطرة على الموارد الطبيعية للفلسطينيين والتحكم في القطاعات الإنتاجية.
كما تمكنت من إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وتحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى سوق للمنتجات الإسرائيلية ومصدر للأيدي العاملة الرخيصة. علاوة على ذلك فقد فرضت نظام ضرائبي مرهق لا يتناسب مع مستويات الدخل للفلسطينيين.
كما كان لاندلاع الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة في أواخر عام 1987 أثر كبير على انخفاض مستويات المعيشة بين الفلسطينيين، وبالتالي توسيع ظاهرة الفقر بين الفلسطينيين. فقد قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بانتهاج سياسة جديدة تهدف إلى تقييد حركة العمال الفلسطينيين في سوقها عبر فرض نظام تصاريح العمل الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من العمال الفلسطينيين لعملهم داخل إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك استعملت قوات الاحتلال أشكالا مختلفة من العنف والقمع ضد المدنيين الفلسطينيين، وبأساليب مختلفة منها فرض منع التجول وإغلاق مناطق كاملة بأوامر عسكرية إسرائيلية، واستخدام أساليب قسرية في تحصيل الضرائب من المواطنين.
ومن ناحية أخرى فقد أدى القمع الاحتلالي للانتفاضة إلى تعطيل جزء كبير من القوة العاملة الفلسطينية التي تعرضت للاعتقال أو الإصابة بإعاقات دائمة، وبهذا فقد أثرت الانتفاضة على توسيع ظاهرة الفقر بين الفلسطينيين. هذا عدا عن اعتماد إسرائيل سياسة جديدة تجاه العمل الفلسطيني في السوق الإسرائيلي تهدف إلى الاستغناء عن العمالة الفلسطينية واستبدالها بالعمال الأجانب، مما أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين لعملهم داخل إسرائيل وانضمامهم إلى صفوف العاطلين عن العمل.
كما تركت حرب الخليج الثانية عام 1991 أثرها على مستويات المعيشة بين الفلسطينيين بسبب فقدان عدد كبير من الفلسطينيين لعملهم في دول الخليج، وبالتالي تراجع دخل عدد غير قليل من الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي كانت تعتمد في معيشتها على تحويلات أبنائها. كما تراجعت تحويلات منظمة التحرير الفلسطينية للضفة الغربية وقطاع غزة إثر توقف المساعدات التي كانت تتلقاها من دول الخليج.
وعلى الرغم من بدء عملية السلام في الشرق الأوسط وتوقيع إعلان المبادئ بين م ت ف وإسرائيل في الثالث عشر من سبتمبر عام 1993، وما تبعه من إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية على جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة في مايو 1994، إلا أنه لم يحدث ما كان متوقعا من رخاء اقتصادي بل استمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سيطرتها على الموارد الطبيعية للفلسطينيين إضافة إلى تحكمها في المعابر والحدود. هذا فضلا عن تصعيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي لسياسة فرض الإغلاق الشامل على الأراضي الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من حرمان لآلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستويات المعيشة لعشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية وارتفاع معدلات الفقر.
وتصطدم المحاولات المتعددة لمكافحة ظاهرة الفقر في فلسطين بخصوصية تتميز باستمرار واقع الاحتلال الإسرائيلي وطبيعة المرحلة الانتقالية وغياب حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. فلا تزال إسرائيل ماضية في مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات وتوسيعها وتهويد مدينة القدس المحتلة، والتنكر للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وعلى ضوء ذلك فان عوامل الإفقار والاستلاب للفلسطينيين لا تزال مستمرة، بل وتتفنن قوات الاحتلال الإسرائيلي في ابتداع أساليب وأشكال جديدة للسيطرة والتحكم في الموارد الطبيعية للشعب الفلسطيني.
وأدى الصلف الإسرائيلي والتجاهل المتواصل لحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على ترابه الوطني إلى اندلاع انتفاضة الأقصى في 29/9/2000 إثر الزيارة الاستفزازية لزعيم حزب الليكود الإسرائيلي أرئيل شارون للمسجد الأقصى المبارك.
وفي أعقاب ذلك فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاقا شاملا على الأراضي الفلسطينية المحتلة، أدى إلى توقف حركة التبادل التجاري، وإصابة القطاعات الاقتصادية والإنتاجية الفلسطينية بالشلل، كما حرم أكثر من 120 ألف عامل من الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إلى أعمالهم داخل إسرائيل، هذا فضلا عن تعطل آلاف آخرين من العمال الفلسطينيين كانوا يعملون في السوق المحلي نتيجة لتوقف الكثير من الورش والمصانع عن العمل بسبب الإغلاق، أو تعرضها لأعمال التدمير والتخريب على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة بمعدلات عالية، وبالتالي اتساع نطاق الفقر بين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد رافق هذا الإغلاق استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي لسلسلة منظمة من الاعتداءات على السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم. فقد استخدمت قوات الاحتلال الرصاص الحي والمتفجر والمدافع الثقيلة والمتوسطة، بالإضافة إلى القصف الصاروخي للمباني السكنية والعامة من الطائرات العمودية والبوارج البحرية، وتسبب ذلك في سقوط 455 شهيد وحوالي 15 ألف جريح، أصيب عدد كبير منهم بإعاقات دائمة، وذلك منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى تاريخ 23/5/2001. ولم تسلم سيارات الإسعاف والطواقم الطبية التي تواجدت في مواقع الأحداث من إطلاق النار عليها، الأمر الذي أدى إلى قتل وجرح عدد من العاملين في الطواقم الطبية الفلسطينية.
كما قامت قوات الاحتلال بعمليات تدمير واسعة للممتلكات الفلسطينية، حيث قامت بتجريف الأراضي الزراعية وتدمير العديد من المنشآت الزراعية والصناعية الفلسطينية. وقد قام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بتوثيق أكثر من 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية والحرجية التي تم تجريفها في قطاع غزة حتى تاريخ 14/2/2001. وتندرج هذه الاعتداءات ضمن الأعمال الانتقامية وسياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وانعكست الإجراءات الإسرائيلية وسياسة الحصار الشامل على المستوى المعيشي للأسر الفلسطينية بحيث ارتفعت معدلات البطالة بصورة لم يسبق لها مثيل، وبالتالي ارتفعت معدلات الفقر بين السكان الفلسطينيين.
وتشير نتائج مسح إحصائي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة الأسر الفلسطينية التي تقع تحت خط الفقر ارتفعت إلى أكثر من 64% في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى بداية شهر إبريل / 2001، وهذا يعني أن أكثر من مليوني فلسطيني أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر.
وقد توزعت هذه النسبة بواقع 55.7% من الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية تعيش تحت خط الفقر، مقابل 81.4% من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر.
ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على ظاهرة الفقر لاسيما في قطاع غزة، من أجل الوقوف على أهم المحددات التي تقف وراء استفحال هذه الظاهرة بين الفلسطينيين وكيفية مكافحتها. كما يستعرض أهم المواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة بمكافحة الفقر.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.net/news5942.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.