آخر الأخبار :

تداعيات اعتراف "ترامب" بضم الجولان لإسرائيل على الضفة الغربية


مقدمة

غرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على حسابه في موقع "تويتر"، بتاريخ 21/3/2019، قائلًا: "حان الأوان لاعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان"، ووقّع، بتاريخ 25/3/2019، على على قرار يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.[1]

في ذات السياق، تعهد نتنياهو، في تصريح له على قناة (12) العبرية، بتاريخ 6/4/2019، بضم أجزاء من الضفة الغربية، التي تشمل الكتل والمستوطنات، لتصبح جزءًا من السيادة الإسرائيلية.[2]

يثير قرار ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان تساؤلات حول مدى شرعية القرار، وتداعياته على الضفة الغربية، خاصة بعد تصريحات نتنياهو حول نيته ضم أجزاء واسعة من الضفة لإسرائيل، وتصريح ديفيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، في كلمته أمام مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، بأن "ترامب يفهم حاجة إسرائيل للاحتفاظ بالضفة الغربية".[3]

إن التماهي الأميركي مع الاحتلال، يسجل سابقة دولية لتشجع التوسع الإسرائيلي وضم أراضٍ جديدة، بدأت بقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثم اعترافه بضم مرتفعات الجولان. وعلى الرغم من الإدانة العربية والدولية للاعتراف الأميركي، لمعارضته للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، إلا أنها لم ترق بعد لخطوات عملية لمواجهته.

احتلال الجولان السوري

احتلت إسرائيل في حرب حزيران 1967 ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية. وطبقت القوانين العسكرية على الجولان حتى كانون الأول 1981، إذ صدر قرار من البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بضم الجولان إلى إسرائيل.

رفض المجتمع الدولي قرار إسرائيل بضم الجولان، وصدر قرار من مجلس الأمن الدولي رقم (497)، في كانون الأول 1981، اعتبر "قرار إسرائيل بفرض قوانينها وسلطاتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السورية ملغيًا وباطلًا ومن دون فعالية على الصعيد الدولي".[4]

على الرغم من تصويت الولايات المتحدة الأميركية لصالح القرار، إلا أنها استخدمت فيما بعد سلطتها الفوقية "الفيتو" في الأمم المتحدة لحماية إسرائيل، الذي حال دون اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد إسرائيل لعدم التزامها بالقوانين والتشريعات الدولية. ولجأت سوريا فيما بعد إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أصدرت قرار رقم (د إ ط – 9/1) في شباط 1981، الذي أكد أن "قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على مرتفعات الجولان باطل وملغي".[5]

تبنت سوريا إستراتيجية "التوازن العسكري" لتحرير الجولان، فقد استضافت فصائل المقاومة الفلسطينية، ودعمت "حزب الله" في لبنان، إلا أنها فشلت في تحرير الجولان. وبعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق، انخرطت كبقية الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر مدريد العام 1991، وسعت لاستعادة الجولان عبر المفاوضات، وفشلت نتيجة التعنت الإسرائيلي.

ترامب يتحدى القانون الدولي

وعد ترامب في حملته الانتخابية بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقبل انقضاء عامه الأول في الرئاسة اعترف بالقدس "عاصمة لإسرائيل"، بتاريخ 6/12/2017، متحديًا بذلك قرارات الشرعية والدولية وكافة اتفاقات السلام الموقعة. كما نقل السفارة الأميركية إلى القدس، بتاريخ 14/5/2018. وفي تحدٍ جديد للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، أقدم ترامب على الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، في سابقة خطيرة في السياسة الدولية، تشجع إسرائيل على المضي قدمًا في إستراتيجية ضم أراضي الغير.

الولايات المتحدة أول دولة تعترف بالسيادة الإسرائيلية على أرضٍ سورية محتلة، متجاهلةً كافة القرارات الدولية التي تؤكد على عدم شرعية ضم إسرائيل للقدس والجولان، إلى جانب أن ذلك يخالف المبدأ العام في القانون الدولي "عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة".

شكل قرار ترامب بضم الجولان خروجًا جديدًا على السياسة الأميركية التقليدية، التي اعتبرت الجولان أرضًا سورية خاضعة لاحتلال إسرائيل. وأوضح الصحفيان آدم تايلور ولفداي موريس في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أن سياسة ترامب تتعارض مع تقاليد السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فسياسته تتحدى قواعد العلاقات الدولية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.[6]

يعزز ترامب من حكم اليمين المتطرف في إسرائيل، ويلتقي معه بكل أطروحاته فيما يخص التوسع الاستيطاني، ومتطلبات الأمن الإسرائيلي، إذ نصّ إعلان الاعتراف بالجولان على أن "أي اتفاق سلام مستقبلي في المنطقة يجب أن يأخذ بالحسبان حاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها من سوريا وتهديدات إقليمية إخرى"[7]. وبذلك، أطاح قرار ترامب بكل الأوهام التي تشكلت لدى الأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية بأنها وسيط محايد وراعٍ نزيه لعملية السلام، وهي تستعمل "إيران" لتبرير الاحتلال.[8]

تداعيات الاعتراف الأميركي على الضفة الغربية

بعد اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، قال ديفيد فريدمان خلال كلمته أمام مؤتمر أيباك، بتاريخ 26/3/2019، إن إدارة ترامب تتفهم حاجة إسرائيل لأن تكون لديها "سيطرة أمنية غالبة" في الضفة الغربية المحتلة ضمن أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه مستقبلًا مع الفلسطينيين.[9]

في ذات السياق، قال مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، بتاريخ 27/3/2019، أمام إحدى لجان الكونغرس، بشأن الموعد الذي ستكشف فيه الولايات المتحدة عن خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية: "سنتخلى عن المعايير القديمة التي تتعلق بقضايا مثل القدس والمستوطنات"، مؤكدًا فشل المقاربة القديمة"، ومضيفًا أن عرض خطة السلام الأميركية قد تستغرق 20 عامًا.[10] وبهذا المعنى، يتضح أن الإدارة الأميركية ليس لديها خطة لتحقيق السلام في المنطقة، وإنما لديها إيمان برؤية إسرائيل الإستراتيجية المستقبلية، وتشارك في تنفيذها.

إن قراري الإدارة الأميركية بشأن القدس والجولان من جهة، ومواقفها المؤيدة للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية من جهة أخرى، تعزز إستراتيجية إسرائيل التوسعية، وضم مزيد من الأراضي المحتلة للسيادة الإسرائيلية في الضفة.

تأتي هذه التصريحات في ظل فرض الإجراءات والسياسات الإسرائيلية لضم أجزاء واسعة من الضفة من خلال البناء والتوسع الاستيطاني، إلى جانب جانب مطالبات أحزاب ونخب إسرائيلية بضم الضفة بالكامل، فقد طالب حزب الليكود اليميني الحاكم في مؤتمره السنوي، بتاريخ 31/12/2017، بالدفع باتجاه ضم الضفة لإسرائيل.[11]

في ذات السياق، تمتلك إسرائيل تصورًا لمستقبل الضفة، وهو ضم مناطق واسعة من الغور والمرتفعات الغربية ومحيط القدس. في حال رفضت السلطة الوطنية العرض، من الممكن أن تُقدِمَ إسرائيل على خطوة أحادية لضم المناطق المذكورة تحت شعار "ضم أكبر مساحة من الأراضي بأقل عدد من السكان".[12] هذا ما أكده نتنياهو في لقائه مع جريدة "يسرائيل هيوم"، بتاريخ 5/4/2019، إذ عرض شروط إسرائيل التي عرضها على الإدارة الأميركية لأي تسوية سياسية قادمة، وهي: "عدم إخلاء أي مستوطن من الضفة، الاحتفاظ بالسيطرة على غرب نهر الأردن كاملة، عدم تقسيم القدس".[13]

في المقابل، تسعى إسرائيل لتكريس فصل قطاع غزة عن الضفة، وتتماهى الإدارة الأميركية مع هذا السياسة عبر إجراءاتها وقراراتها ضد القضية الفلسطينية من جهة، وتشجيعها على تقديم مساعدات إنسانية لغزة من جهة أخرى، بهدف تكريس انفصالها، وتهيئة التربة لتصفية القضية الفلسطينية.

تعمل إدارة ترامب من خلال قراراتها المتلاحقة على تأمين مصالح إسرائيل في محيطها العربي، سواء أكان أمنيًا بضم مزيد من الأراضي، أو من خلال تأمين علاقات طبيعية مع الدول العربية، لا سيما الخليجية، من خلال تشجيعها على التطبيع العربي الإسرائيلي. ومن جانب آخر، تهيئ قرارات ترامب المتوالية إمكانية اعترافه بأرضٍ أخرى احتلتها إسرائيل في العام 1967، ما يعني انعدام أي تسوية سياسية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على قاعدة قرارات الشرعية الدولية.

في ظل هذا الواقع، ومع استمرارية الإجراءات والسياسات الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، والقرارات الأميركية الداعمة لها، قد تقدم إسرائيل على ضم الضفة أو أجزاء كبيرة منها، كإجراء أحادي الجانب، كما فعلت في خطوة سابقة عندما انسحبت من قطاع غزة في العام 2005. ويؤكد ذلك تصريحات نتنياهو، بعد مراسم توقيع الرئيس ترامب في البيت الأبيض على إعلان الجولان، إذ قال إن الاعتراف الأميركي يؤكد على "أحد المبادئ المهمة في العلاقات الدولية: عندما تبدأ حربًا عدوانية وتفقد الأرض، لا تعد وتطالب بها لاحقًا. إن الأرض ملك لنا".[14]

ردود الفعل

أثار اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، إدانة عربية ودولية واسعة، واستنكارَ المنظمات الإقليمية والدولية التي اعتبرت الاعتراف لاغيًا، ولا يغير من الوضع القانوني للجولان.

أعلنت الدول الأوروبية الخمس ذات العضوية في مجلس الأمن الدولي، في بيان مشترك تلاه مارك بيستين، مندوب بلجيكا الدائم لدى الأمم المتحدة، رفضها اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان. وأشار البيان إلى أن "القانون الدولي يحظر ضم الأراضي بالقوة، وأن أي إعلان بحدوث تغيير أحادي الجانب يتعارض مع أساس القانون الدولي". كما عبّرت ماريا زاخروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، عن رفض روسيا للقرار الأميركي، وحذرت من أنه "قد يكون مقدمة لإعلان صفقة القرن المزعومة".[15]

من جانب آخر، أدانت الدول العربية القرار الأميركي، وأعلنت وزارات خارجية كل من (لبنان، الأردن، الكويت، العراق، قطر) رفضها للقرار، وأوضحت أنه يشكل عائقًا أمام السلام بالمنطقة.[16]

ربط الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين قراري الإدارة الأميركية فيما يتعلق بالقدس والجولان، في بيان نشر بتاريخ 25/3/2019، واستنكر سلسة القرارات المخالفة للقانون الدولي والشرعية الدولية الصادرة من قبل الإدارة الأميركية.[17]

أدان البيان الختامي للقمة العربية، التي عقدت في تونس نهاية آذار 2019، اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وأكد أن الجولان "أرض سورية محتلة وفق القانون الدولي". وحذر أي دولة أن تحذو حذو الولايات المتحدة، موضحًا أن الدول العربية ستلجأ إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار ضد الاعتراف الأميركي بالجولان.[18]

لم تترجم المواقف العربية والدولية إلى خطوات عملية لمواجهة قرارات ترامب تجاه المنطقة العربية، رغم إدارته للسياسة الدولية وكأنه "رجل عقارات"، بضم القدس، ومن ثم الجولان لإسرائيل، فهو لا يرى في إدارة الصراع بالمنطقة سوى القوة الأميركية والإسرائيلية.[19] وهذا قد يشجع الولايات المتحدة على المضي لتمرير سياساتها، في ظل الوضع العربي الراهن من جهة، وغياب خطة عربية فلسطينية لمواجهة تلك القرارات من جهة أخرى.

من غير المرجح على المستوى العربي أو الدولي، أن تتطور المواقف من الإدانة إلى أي خطوة عملية ضد قرار ترامب، رغم أن السياسة الأميركية باتت أكثر وضوحًا وانكشافًا. فقد أوضح رد العالم العربي على إعلان ترامب بشأن القدس فشل النظام العربي، وضعفه في مواجهة قرار ترامب، وبقي بين الإدانة والاستنكار، دون تقديم أي خطوات عملية لمواجهته؛ ما شجع الولايات المتحدة على الاستمرار في سياستها، وحفز بعض الدول لنقل سفاراتها إلى القدس، أو دراسة نقلها. من جانب آخر، أدى فشل الدول العربية والأمم المتحدة في منع وقف الاستيطان، إلى استمراريته، وتحوله لسياسة ضم للأراضي.

خاتمة

أدى الاكتفاء بالشجب العربي والفلسطيني لقرار ترامب بشأن القدس، دون سياسة فاعلة لمواجهته، إلى استمراره في تجاوز القانون الدولي، ومنح إسرائيل اعترافًا جديدًا بضم مرتفعات الجولان. وهذا من شأنه أن يشجع على ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية في الفترة المقبلة، سواء أكان بدعم واعتراف أميركي مباشر، أم من خلال بخطوة أحادية من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

تستدعي مواجهة المشروع الإسرائيلي وسياسات الأميركية الداعمة للاحتلال على كافة الصعد والمستويات، استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس الشراكة الوطنية الكاملة، ومن ثم التوافق على برنامج مواجهة شامل لمخطط الضم الإسرائيلي، يتضمن إجراءات التصدي الميداني الكفاحي للمشروع الصهيوني التوسعي، والتحرك على كافة المستويات العربية والدولية لتحشيد الدعم والتأييد لنضال الشعب الفلسطيني على أرضه.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.net/news10833.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.