آخر الأخبار :

ورقة تقدير موقف: جهود الديبلوماسية الإسرائيلية لتغيير مواقف الاتحاد الأوروبي

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدفعة الخامسة 2018-2019.

مقدمة

على الرغم من العلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي، إلا أن إسرائيل تستمر في محاولاتها وجهودها الديبلوماسية لثني الاتحاد الأوروبي عن سياساته التي يعتمدها تجاه قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

يمكن استنتاج وجود خطة إسرائيلية من بندين أساسيين، هما: السعي لاستقطاب دول شرق أوروبا لتشجيعها على تبني المواقف الإسرائيلية، بصورة أكبر، داخل الاتحاد الأوروبي، مع إثارة ملفات مثل "الخطر الإيراني"؛ وتفعيل جماعات ضغط برلمانية في أروقة الاتحاد.

من نتائج السياسة الإسرائيلية تأرجح مواقف الاتحاد الأوروبي، حد التناقض تقريبًا، ما بين مواقفه السياسية المستندة إلى القرارات الأممية بما يخص القضية الفلسطينية، وشراكته الإستراتيجية مع "إسرائيل"، وهو ما اتضح مثلًا أثناء التصويت على مشروع القرار الأميركي الذي حاول إدانة حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

محاولة محاصرة فلسطين في البرلمان الأوروبي

صوّتَ البرلمان الأوروبي، بتاريخ 24/10/2018، ضد مشروع قرار يستهدف خفض المساعدات الأوروبية المقدمة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، من أجل دفعها لتعديل المناهج الدراسية الفلسطينية، إذ قادت جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل حملة ضد السلطة، ورفعت تقارير[1] لمؤسسات الاتحاد الأوروبي حول ما يسمى بـ"التحريض في برامج التعليم الفلسطينية".[2] وصوّت 516 عضوًا ضد المشروع، بينما صوت لصالحه 100 عضو من اليمين واليمين المتطرف.[3]

عملت منظمة "إمباكت"[4] الإسرائيلية، مع مجموعة من أعضاء البرلمان الألماني، على تمرير مقترح بلجنة موازنة الاتحاد 2019، بتاريخ 9/9/2018، يدعو إلى اقتطاع ما نسبته 5% من مساعدات الاتحاد الأوروبي للسلطة، بما يعادل حوالي 20 مليون يورو، بدعوى التحريض ضد إسرائيل في المناهج الدراسية، وتشجيع ما سموه "العنف ومعاداة السامية".[5]

لحق بالديبلوماسية الإسرائيلية ثلاث خسائر متتالية خلال يوم واحد، إضافة إلى التصويت ضد مشروع القرار أعلاه، إذ أسقط البرلمان الأوروبي بيانًا سياسيًا طرحه الحزب الديمقراطي المسيحي، الألماني، يدعو الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى مراقبة المساقات الفلسطينية بدعوى التشجيع على العنف. كما صوت البرلمان على مشروع قرار ثالث يدعو الاتحاد إلى تقديم معونة مالية إضافية لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" بقيمة 22 مليون يورو إضافية للعام 2018".[6]

رحبَ رياض المالكي، وزير الخارجية الفلسطيني، بنتائج تصويت البرلمان الأوروبي، واعتبر رفض مشروع قرار خفض المساعدات واعتماد الدعم الإضافي للأونروا خطوة مهمة في التأكيد على التزام الاتحاد الأوروبي بعملية السلام وحل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية. كما اعتبر أن موقف البرلمان "يمثل فشلًا ذريعًا للديبلوماسية الإسرائيلية ومنظمات اللوبي التابعة لها".[7]

اتهام الاتحاد الأوروبي بالنفاق

اتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو - بناءً على هذا الفشل - الاتحاد الأوروبي بمعاداة "إسرائيل"، واصفًا نهجهُ بشأن القضايا الإسرائيلية "بالمنافق والمعادي"، وموضحًا أن يريد تغيير العداء لإسرائيل.[8] جاء ذلك خلال تصريح صحفي أدلى به، بتاريخ 1/11/2018، قبل توجهه إلى مدينة فارنا البلغارية للمشاركة في منتدى كاريوفا، واصفًا علاقته ببعض دول شرق أوروبا بأنها "ليست علاقات ودية شخصية فحسب، بل تساهم أيضًا في تعزيز علاقاتنا مع كل دولة ودولة بشكل فردي ومع كتلة من الدول"[9]، دافعًا بسياساته قدمًا معها.

قام نتنياهو خلال لقائه قادة شرق أوروبا (بلغاريا، رومانيا، اليونان، صربيا)، بتاريخ 2/11/2018، بتحريضهم على تبني مواقف مغايرة لتلك التي يتبناها الاتحاد الأوروبي من الاتفاق النووي مع إيران، وتشجيعهم على عدم التعاطي مع السياسات التي يعتمدها "الاتحاد" بشأن قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مستغلًا الواقع الأمني والعلاقات الاقتصادية في أوروبا في محاولة للتأثير على الحكومات الأوروبية لتغيير مواقفها، حيث قال لرئيس الوزراء بلغاريا بويكو بوريسوف "كشفنا مؤخرًا محاولات إيرانية عدة لتنفيذ عمليات إرهابية على أرض أوروبا".[10]

كشف نتنياهو في بيانه الصحفي الذي تلا لقاءاته المنفردة برؤساء وزراء دول شرق أوروبا عن المواقف الأوروبية، إذ قال إنهم وعدوه بالعمل على تحسين نهج تصويتهم في الأمور التي تتعلق بإسرائيل في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، مشددًا على العلاقة الاقتصادية بقوله "إنهم يريدون الغاز الإسرائيلي كثيرًا، وإنهم يريدون التكنولوجيا الإسرائيلية، والصداقة معنا".[11]

هذه ليست المرة الأولى التي يتهم فيها نتنياهو الاتحاد الأوروبي، إذ اتهمه أيضًا بـ"النفاق"، وذلك قبل زيارة ديبلوماسية له إلى باريس وبروكسل في كانون الأول 2017. فقد عبر عن استيائه لبعض ردود الفعل السلبية والإدانات التي صدرت من أوروبا بشأن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة "إسرائيل"، حيث قال: "سمعت أصواتًا من أوروبا أدانت إعلان الرئيس ترامب التاريخي، ولكن لم أسمع أصواتًا أدانت إطلاق الصواريخ على إسرائيل"، مضيفًا: "أحترم أوروبا لكنني لست مستعدًا لقبول سياسة الكيل بمكيالين من جانبها، ولست مستعدًا لقبول هذا النفاق".[12] جاء ذلك بعد إدانة دول أوروبية قرار ترامب يوم صدوره، ومنها بريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد.

نقل السفارة إلى القدس

اغتنم نتنياهو فرصة زيارته الديبلوماسية إلى بروكسل، في كانون الأول 2017، لدعوة وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى أن يحذو حذو واشنطن بشأن القدس، إذ قال "أعتقد أن جميع الدول الأوروبية، ستنقل سفاراتها إلى القدس وستعترف بها عاصمة لإسرائيل، وستلتزم بشكل ناشط معنا في سبيل الأمن والازدهار والسلام".[13]

قوبلت هذه الدعوة بالرفض، إذ صرحت فريدريكا موغريني، الممثلة العليا للشؤون الخارجية وسياسة الأمن للاتحاد الأوروبي بأنه يمكن لنتنياهو أن يتوقع ذلك من آخرين، لكن بالنسبة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فهذا لن يحدث[14]، مذكرة بموقف الاتحاد الثابت من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي يقوم على دولتين مع القدس عاصمة للدولتين وفق حدود 1967.[15]

أكدت أوروبا، مجددًا، موقفها الثابت من القدس، عبر تصريح لدونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، بتاريخ 14/12/2017، وجاء فيه أن قادة الاتحاد الأوروبي يؤكدون من جديد الالتزام الثابت بحل الدولتين، وموضحًا أن موقف الاتحاد من القدس يبقى على حاله دون تغيير".[16]

في المقابل، عارض الرئيس التشيكي ميلوش زيمان سياسة الاتحاد الثابتة تجاه القدس، حيث دشنّ بتاريخ 27/11/2018 "البيت التشيكي" بالقدس، الذي يمهد لنقل السفارة التشيكية من تل أبيب إلى القدس.[17]

أوروبا الشرقية

أرسل الاتحاد الأوروبي رسالة تحذيرية إلى نتنياهو، حيث نقلت جريدة "معاريف" العبرية، بتاريخ 10/11/2018، عن مصدر كبير في الاتحاد اتهامه لنتنياهو "بأنه يسعى لتفكيك الاتحاد، وأنه "اختار دول أوروبا الشرقية حيث تزدهر السامية"[18]، لتشجيعها على تبني سياسات مغايرة لتلك التي تعتمدها. وحرص المصدر على تذكير نتنياهو بأن إسرائيل ستكون الخاسر الأكبر في حال تراجعت العلاقة بينهما، لا سيما أن الاتحاد يمثل الشريك التجاري الأكبرلإسرائيل.

يستغل نتنياهو العلاقة الأمنية الاقتصادية مع أوروبا الشرقية في تشكيل مركز ثقل لإعاقة سياسة الاتحاد تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومستمرًا في سياسته، حيث جدد طلبه الصريح من رئيسة وزراء رومانيا فيوريكا دانتشيلا أثناء زيارتها إلى إسرائيل بتاريخ 18/1/2019، بالعمل وقف القرارات "السيئة" التي يتخذها الاتحاد الأوروبي ضد إسرائيل، ونقل سفارة بلادها إلى القدس.[19]

التصويت في الأمم المتحدة

يظهر تأثير الجهود الإسرائيلية على "الاتحاد" جلياً عندما ناقض سياسته السابقة بتأييد قرارات الأمم المتحدة والاعتراف بها بأن قام بالتصويت كاملاً 28 عضواً يوم الخميس الموافق 6ديسمبر2018 في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة[20] على قرار يدين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلا أن القرار لم يحظَ بأغلبية الثلثين لتمريره. نصَّ مشروع القرار على "إدانة حماس لإطلاقها المتكرر لصواريخ نحو إسرائيل وتحريضها على العنف معرضة بذلك حياة المدنيين للخطر"[21] دون التطرق لسبب إطلاق الصواريخ متجاوزاً انتهاكات "إسرائيل "بالضفة الغربية وقطاع غزة، وبذلك خالفت قرارات الأمم المتحدة بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال.

موقف الاتحاد من سياسة الاستيطان

ما زال الاتحاد ثابتًا على سياسته التي "تعارض بشدة سياسة الاستيطان غير القانونية بموجب القانون الدولي، وعمليات النقل القسري، وعمليات الإجلاء والهدم، مع تزايد الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والقدس الشرقية". وهذا ما ورد في بيان لماجا كوسجانيك، المتحدثة الرسمية باسم الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، بتاريخ 24/11/2018، حول عمليات الهدم التي قامت بها إسرائيل في مخيم شعفاط بالقدس، حيث هدمت 20 مبنى تجاريًا فلسطينيًا بتاريخ 21/11/2018.[22] كما عبرت عن رفضها لقيام الحكومة الإسرائيلية بوضع خطة لبناء 2000 وحدة استيطانية في أنحاء الضفة الغربية في كانون الأول 2018، موضحة أن هذه الممارسات تقوّض عملية السلام الدائم والقائم على دولتين.[23]

المساعدات الأوروبية لإسرائيل

تربط إسرائيل والاتحاد الأوروبي علاقة شراكة اقتصادية وتكنولوجية وأمنية وعسكرية قوية، إذ يعد الاتحاد أكبر شريك تجاري لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة الموقعة ببروكسل في العام 1995، إيمانًا منه بأن هذه المساعدات الاقتصادية تساعد في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

يرفض الاتحاد أن تكون المستوطنات مشمولة بأي علاقات تعاون تجاري وأكاديمي. وقد أصدر قرارًا في العام 2015 بوسم منتجات المستوطنات المعروضة في المتاجر الأوروبية، وأصبحت إيرلندا بتاريخ 24/1/2019 أول دولة في الاتحاد تجرم من يتعامل مع البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي العربية المحتلة العام 1967، بما فيها الضفة المحتلة ومن ضمنها القدس.[24]

المساعدات الأوروبية لفلسطين

يدفع الاتحاد الأوروبي باتجاه حل الدولتين وذلك بالعمل بشكل موازٍ مع الأونروا لتحسين ظروف المعيشة في غزة والقدس الشرقية دعمًا لصمود المواطنين. وخصص الاتحاد في بيان له في كانون الأول 2018 مبلغ 20 مليون يورو كمساعدة مالية إضافية للأونروا، ومبلغ73.3 مليون يورو لتحسين المعيشة بالقدس الشرقية وتعزيز التنمية الاقتصادية في الأراضي المحتلة. ويؤكد يوهانس هان، مفوض السياسة الأوروبية للجوار وشؤون التوسع، في البيان، التزام الاتحاد القوي بدعم الفلسطينيين، الذي "يعتبر عاملًا في استقرار المنطقة".[25]

خاتمة

تستمر محاولات نتنياهو والديبلوماسية الإسرائيلية في التأثير على السياسة الخارجية لأوروبا الشرقية، مستغلًا الوضع الأمني والعلاقات الاقتصادية التكنولوجية، لوضع عقبة تضعف الاتحاد الأوروبي وتعيق سياساته التي يعتمدها تجاه قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وموقفه من ملف إيران النووي.

وعلى الرغم من المحاولات الإسرائيلية تلك إلى أن الاتحاد الأوروبي ما زال ثابتًا على مواقفه المعارضة للسياسات الإسرائيلية الاستيطانية، وإجراءات تغيير الواقع الجغرافي غير الشرعية بحكم القانون الدولي، إيمانًا منه بأن هذه السياسات تقوّض إمكانية تحقيق سلام عادل ودائم قابل للتطبيق قائم على دولتين، مع اعتبار القدس عاصمة المستقبل لكلتا الدولتين.

ما زال الاتحاد الأوروبي يضع حدودًا واضحة لسياساته، ولمقدار الضغط الذي يمكن أن يمارسه على الجانب الإسرائيلي لإنهاء الاحتلال. فالعلاقات الاقتصادية والثقافية الأوروبية الإسرائيلية على ما يرام تقريبًا، ولكن الإسرائيليين يريدون الحصول على المزيد من المكاسب والدعم، وعلى تقليل الدعم الأوروبي للفلسطينيين.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.net/news10358.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.